مقالات٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٠ مشاهدة

وسائل وآليات للتربية في البيوت(الحلقة الأولى والثانية)

وسائل وآليات للتربية في البيوت

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد

إن تحقيق الأهداف التربوية في الأسرة ونجاحها مرهون بعد توفيق الله تعالى بتفعيل الوسائل والآليات الموصلة إليها، ولابد من الحزم والعزم في تطبيق تلك الوسائل، تحت شعار (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) مع تشجيع وتحفيز الأولاد لتقبلها وتطبيقها كل فيما يخصه، ونحن بذلك العمل ننشئ جيلا متربيًا صالحًا مصلحًا بإذن الله تبارك وتعالى، وعلى المربي من الآباء والأمهات مراعاة تقلب النفسيات والأمزجة للأولاد قدر الإمكان، والتعامل حسب المناسب تربويًا، وحول تلك الآليات والوسائل يكثر الحديث ويتنوع من أسرة لأخرى حسب ما يتناسب مع طبيعتها في هذه المرحلة، وفي هذه الحلقة سأطرح عشرة وسائل حسبي أنها مناسبة للجميع في تطبيقها وتقبلها وفاعلية أثرها.

الوسيلة الأولى: الكلمة الطيبة، يقول الله تبارك وتعالى (وقولوا للناس حسنا) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم (والكلمة الطيبة صدقة) فإذا كان هذا التوجيه الرباني والنبوي للعموم فهو للأسرة أخص وأعظم أجرا نظرا لأثره الفعال على نفوسهم، ولكن من جانب آخر عندما تفقد الكلمة الطيبة وحسن القول، ويكثر السباب والكلام السيئ، فقد تتأزم النفسيات وتحصل الفرقة والشتات بدل الاجتماع والالتئام، ورب كلمة طيبة صنعت مستقبلا زاهرا، فهذا الإمام الذهبي رحمه الله وهو من أكبر علماء الحديث يقول عن سبب ذلك أن أحد شيوخه قال له: خطك يشبه خط المحدثين، فالتحق بالمحدثين فصار إماما منهم.

فاحرصوا يا رعاكم الله على طيب الكلام وحسنه، فهو أسهل على النفوس الناطقة له، وأيضا هو أيسر على النفوس المستقبلة له، وأثره عجيب في الإيجابية بخلاف الكلام السيئ، فهو أشق على النفوس نطقا واستقبالا، وله أثره السلبي الكبير، وكم هو جميل أن يقوم الوالدان بإطلاق الكنى على أولادهم فيكنونهم بأبي فلان وأم فلان، وللإسم أثر على المسمى.

الوسيلة الثانية: جلسة الأسرة الدورية، إن تلك الجلسة غاية في الأهمية في تداخل النفوس وتعاطفها وتصحيح المفاهيم والتصورات وتنمية الأفكار، وهي أيضا جلسة مفتوحة في تجاذب أطراف الحديث، ولكنه من الجميل جدا أن تحتوي تلك الجلسة على المتعة والطرفة من جهة، وعلى الفائدة العلمية والتربوية من جهة أخرى، إن هذه الجلسة هي استثمار جيد لشحن أذهان الأولاد بما يفيدهم ويكسبهم الثقة بالنفس، ولا يتصور الوالدان أن تلك الجلسة هي لسد الفراغ فقط، وإنما هي برنامج أسري فعال إذا استثمر، وإن من الخلل على المربي أن يعزم على تغيير الكثيرين إيجابيا، لكن بيته خارج عن دائرة التغيير.

الوسيلة الثالثة: الرحلات الممتعة والمفيدة، فأهل البيت يحتاجون للسفر والاستجمام والنشاط والمكافأة على جهد بذلوه، لكن تلك الرحلات تكمن فائدتها حين يهتم بها، فأهدافها تجديد النشاط والتداخل العاطفي بين أفراد الأسرة، وذهاب ملل الروتين وصلة الرحم والسير في الأرض كما أمر الله تبارك وتعالى، والتفكر في خلق الله عز وجل، مع القيام التام بالأحكام الشرعية والآداب المرعية والخلقية في هذا الجانب، وقد تكون الرحلة لأحد الحرمين الشريفين، فذلك نور وطاعة وصلاح وإصلاح، ومن الممكن أن يجتمع شباب الأسرة وأبناؤها في رحلة دورية أسبوعية تكون مجالا للتنزه من جهة والتوجيه التربوي من جهة أخرى، فهي فكرة عائلية ناجحة قد جمعت بين مصالح عدة.

الوسيلة الرابعة: رسائل الجوال وما يعرف بقروب العائلة، إن الجوال أصبح في زماننا جزء من الحياة، وكما أنه يمثل خللا في بعض الأحيان فهو يمثل في أحيان أخرى مساعدا على التربية، فيقترح في قروب العائلة ما يلي:

أولا: بيان الهدف من هذا القروب، وهو التواصل ومعرفة أخبار العائلة سواء بمسماها الخاص أو العام، وقد يختصر علينا مسافات بعيدة في نقل خبر أو تكليف بشيء ما ونحو ذلك.

ثانيا: أن تكون تلك الوسيلة مجالا خصبا لنقل التوجيهات التربوية والأخلاق المرعية وبعض التنبيهات الهامة شرعا وعرفا وغيرها مما يجعل تلك الوسيلة نافعة للجميع.

ثالثا: من آداب قروب العائلة أن تُجتنب المقاطع ذات الموسيقى أو صور النساء والصور المخلة بالأدب، وعلى الأعضاء عموما ومدير المجموعة خصوصا التنبيه على ذلك عند وجوده.

رابعا: يمكن أن يكون توجيهات خاصة لفلان أو فلان من الأسرة بتنبيه على ملاحظة أو شكر على إنجاز ونحو ذلك.

خامسا: يمكن استحداث مسابقات ثقافية وتربوية من خلال تلك الوسيلة بين أفراد الأسرة بمسماها العام أو الخاص.

سادسا: من آداب قروب العائلة يمكن استحداث حلقة قرآنية من خلال تلك المجموعة، فقد حفظ الكثيرون بحمد الله شيئا من القرآن من خلال التقنية.

سابعا: يمكن أن يكون وسيلة لعرض الأحكام الشرعية وأحكام الصلاة أو القيم أو الأخلاق، ففي كل يوم حكم أو خلق أو قيمة.

الوسيلة الخامسة: تنمية المهارات للأبناء والبنات، إن من التكامل التربوي الأسري النظر في مواهب الأولاد وما يجيدون، فقد تبرز أحيانا موهبة في بداياتها عند الابن أو البنت، فليحرص الوالدان على الاهتمام بها وتعزيزها وعدم إهمالها، وهذا الجانب لا يقل في أهميته عن الأمور التربوية الأخرى التي يهتم بها الوالدان، وثمة قيم ومهارات يتعين على الوالدين عرضها على الأولاد ومحاولة مزاولتها ليتعرف الوالدان على مستوى الأولاد وعلى ميولهم لها من عدمه، وكم هو جميل أن يكون أحد الأولاد يتمتع بعدد من المهارات القولية أو العملية، فهذا مما يفيده لاحقا في عمل وظيفي أو تربوي أو تعليمي، ومن المهارات للبنات التعرف الجيد على أعمال المنزل وتدويرها وحسن الرعاية فيها، لتكون حال زواجها قد نجحت في هذا الجانب، ومن المهارات للأبناء التعرف على طرق كسب الحلال وتدبير المال لبناء مستقبل مشرق لكلا الجنسين، ولتكن كل مهارة يتعرف عليها أحدهم ويزاولها مقرونة بما يتعين فيها من آداب الشرع وأحكامه.

الوسيلة السادسة: معالجة الأخطاء في البيوت، كل ابن آدم خطاء، وبيوتنا ليست ملائكية لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولهذا فالأسلوب الأمثل للعلاج وسيلة ناجحة في التربية، ومن ذلك التأكد من الخطأ والمخطئ عند حصول الخطأ حتى لا يتهم أحد بما ليس فيه، وأيضا كذلك التغافل الأمثل عن الأخطاء اليسيرة التي لا تحتاج إلى توقف عندها، وكذلك التفاهم النسبي والنظيف في ألفاظه عند التأديب لأن المقصود تصحيح المسار وليس الانتقام، وكذلك إشعار المخطئ بسلبيات هذا الخطأ وامتداده.

الوسيلة السابعة: حلقة الذكر في البيت أو ما يسمى الدرس البيتي، ولا شك أن هذا من الضرورة بمكان، ولماذا كان ضروريا؟ لأنه متعلق بأهم أمر في حياة الإنسان وهو دينه، فهذا الدرس في البيت يتفق عليه أهل البيت كلهم أو جلهم، ويكون يوما أو يومين في الأسبوع ولمدة مقترحة نصف ساعة تقريبا، يطرحون ويتناقشون فيما يهمهم من أمور دينهم في سائر عباداتهم، ويتعلمون كيف يصلون، وكيف يصومون، وكيف يذكرون، ونحو ذلك، وأيضا في أخلاقهم وقيمهم، وأيضا في معرفتهم لتفسير كلام الله تبارك وتعالى أو رسوله عليه الصلاة والسلام.

يقول أحدهم: وضعت في بيتي درسا في كل جمعة ولمدة نصف ساعة، مع تفسير عدد من الآيات من تفسير ابن كثير، فأنهينا تفسير ابن كثير جميعا في خلال أقل من ثلاث سنوات.

ويقول أحدهم: كنت أجلس مع أولادي أكثر من جلستين في الأسبوع، في كل جلسة حديث وتفسيره لمدة عشر دقائق تقريبا، فأنهينا كتاب رياض الصالحين، والتجارب كثيرة، فلعلك أيها الأب وأيتها الأم تجربان مع أولادكم ما ترونه مناسبا في هذا المجال، فالربح عظيم ومجلسكم روضة من رياض الجنة تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة وتتنزل عليها السكينة ويذكركم الله فيمن عنده. فيا بشراكم ويا سعادتكم بذلك.

الوسيلة الثامنة: العدل بين الأولاد سواء كان ذلك في المحسوسات أو المعنويات.د، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) متفق عليه.

فعلى المربين عموما وعلى الوالدين خصوصا أن يعاملوا هذا النشأ بالسوية ويشعروهم بالعدل.

إن عدم العدل يؤثر في نفسية الأولاد وفي قوة انتمائهم، فإننا نشكو أحيانا عدم الإنتاجية أو البر أو قلة ذلك، ولربما أن من أسباب ذلك شعور الابن أو البنت بالغبن وعدم العدل من الوالدين تجاه الإخوة والأخوات.

الوسيلة التاسعة: مكتبة البيت، إن من الجميل جدا أن يشاهد الأولاد تلك الكتب والكتيبات ويسمعون توجيها من الوالدين للاطلاع والقراءة، بل إن ذلك من أركان الثقافة وتنمية الذهن، وتصحيح التصورات، وسعة الأفق، وزوال الجهل، وحصول العلم، ومعرفة السابق واللاحق، ولعله من المقترح أن يكون لدى العائلة أو بعضهم ما يسمى كتاب الأسبوع، يتفق الجميع على توفير عشرة كتيبات كمرحلة أولى تكون بالتناوب بينهم، بحيث يكون الجميع قد قرأوا تلك الكتب العشرة خلال عشرة أسابيع، وهذا لا شك أنه حصيلة واضحة المعالم تشق الطريق إلى القراءة والاطلاع، ثم تبدأ المرحلة الثانية بعشرة كتب أخرى، وعلى الوالدين التشجيع المستمر الحسي والمعنوي على هذا المشروع، فهم أول من يحصد الثمرة، وذلك بتوعية أولادهم وصقل أذهانهم وأفكارهم نحو الإيجابية والمخرجات الطيبة، ولعل ذلك يكون مدخلا لعمل مشروع علمي وتربوي ينبثق من الأسرة إلى غيرها.

وفقنا الله تعالى جميعا للهدى والتقى والسداد والرشاد. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.