مقالات٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٠ مشاهدة

صيام التطوع)

(صيام التطوع) [1]

إنَّ من الأعمال الصالحة التي لم يُحدَّد أجرُها - وذلك لكثرته وعظمته - الصيام؛ قال الله عز وجل في الحديث القدسي: ((... إِلا الصَّوْم فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) [2]، فحريٌّ بنا أن نُسارع إلى هذا العمل الفاضل؛ اكتسابًا لهذا الفضل العظيم.

صيام التطوُّع هو فتحٌ يفتحه الله على مَنْ يشاء من عباده، فابذل الأسباب لطلب هذا الفتح والتعرُّض له؛ لعل الله يفتح لك فيه، وحينَها يا بُشراك! وهذا يحتاج إلى جهد، واحتساب، وصبر؛ لكنه كافيك قوله تعالى في الحديث القدسي: ((وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))، وذلك كله مقابل سُويعات محدودة تقف فيها عن المفطرات، فاشحذ همَّتَك؛ لعلَّ التوفيقَ يكون حليفَك، فما وصل هؤلاء الصائمون إلى ما وصلوا إليه - بعد توفيق الله تعالى لهم - إلا بصبرهم واحتسابهم.

فرحتان عظيمتان يجدهما الصائم عند صيامه، وهما فرحته بإكمال صيامه، وعند لقاء ربِّه، فهنيئًا له تلك الفرحتان.

عندما تريد فعل الطاعة، ومنها الصيامُ، فسيأتيك الشيطان بالتسويف، والكسل، فعندها أَلفِتُ نظرَك - أخي الكريم - إلى قاعدة عظيمة تقول: (فكِّر في المكاسب قبل أن تُفكِّر في المتاعب)؛ فإنك بذلك تُعطي نفسك داعمًا قويًّا للإقبال على هذه الطاعة، واستصحب هذه القاعدة في جميع ما يستصعب عليك من أعمال دنيوية، أو أخروية.

إذا كان الحلم بالتحلُّم، والعلم بالتعلُّم، فإن هذا يفيدنا بأن الإنسان إذا أراد أن يتَّصِف بسلوك حسن، فإنه يعمل هذا السلوك، ويُكثِر منه؛ حتى يكونَ سجيةً من سجاياه التي لا يريد الانفكاك عنها، وأنت عندما تنظر إلى الصائمين حال فطرهم، فإنك ترغب في أن تكون واحدًا منهم، فهم مارسوا هذه العبادة، وحرصوا عليها حتى وصلوا إلى ما رأيتهم عليه، فحاول أن تكون في ركبهم.

اعلم أنَّ الطاعة تذهب مشقَّتُها؛ لكن يبقى أجرُها، وكم من الأشياء التي تعبتَ فيها؛ لكنَّك بعدها لا تحسُّ بشيء من تعبها! إلا أنَّ لذَّة العمل تربطك فيها، كلما ذكرت تلك الطاعة، وهكذا الصيام، فما تجده من المشقَّة ينتهي بلذَّة الإفطار، فبادر يا رعاك الله.

من صيام التطوُّع صيامُ الأيام التالية: (الاثنين، والخميس، وأيام البيض، والست من شوال، ويوم عرفة، والتاسع والعاشر من شهر الله المحرَّم، وثلاثة أيام من كل شهر).

أخي الكريم، إنَّ تَردُّدَك وضَعْفَك عن صيام التطوُّع، قد يكون من خطوات الشيطان، وإنَّ مبادرتَكَ وعزمَكَ، هو أول خُطُوات النجاح والفلاح.

[1] كتاب "أربعون مجلسًا في التربية الإيمانية" (ص:26-27).

[2] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (1904) 3 /26، ومسلم في صحيحه برقم (1151) 2 /807.