السنن الرواتب
السنن الرواتب [1]
جميلٌ أن يحرص الإنسان على بناء بيت في الدنيا، ويُحسِّنه بجميع المحاسن، وأجمل منه أن يحرِص أيضًا على أن يكون له بيت في الجنة، ويتحقَّق هذا بأمور؛ منها: صلاة (اثنتي عشرة ركعة)؛ كما في حديث أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صلَّى اثنتي عشرة ركعةً تطوُّعًا من غير الفريضة، بنى الله له بيتًا في الجنة)) [2].
كما نجمع رواتب السنين؛ لنبني بيتًا في الدنيا، فلنحافظ على السنن الرواتب لنبني بيتًا في الجنة، وهذه السنن مما تُرفع بها الدرجات، فكل سجدة تُرفع بها درجة، وتُحطُّ بها خطيئة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((واعلم أنك لن تسجُدَ لله سَجْدةً إلَّا رفعَكَ اللهُ بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئةً))[3].
وهي مما كان يحافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أهميتها أن القلوب تغفل أثناء الصلاة، فتأتي هذه الركعات وغيرُها من التطوُّع؛ لتكون مكملًا النقصَ الحاصل في الفريضة.
هذه السنن الرواتب سُمِّيت رواتبَ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتركها في حَضَره، وأما إذا سافر فإنه لا يترك ركعتي الفجر مع الوتر، كما ورد عن عائشة رضي الله عنها، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وكان مجموع الرواتب بالليل والنهار أربعين ركعة، كان يحافظ عليها دائمًا، وهي سبع عشرة ركعة فرضًا، وثنتا عشرة ركعةً راتبةً، وإحدى عشرة ركعةً قيامه بالليل"؛ [زاد المعاد 1/ 316]، فليكن من منهجك في يومك وليلتك ألَّا تقلَّ عن أربعين؛ لأنه مما يحسُن بالمسلم المحافظة على الإكثار من التطوُّعات؛ إذ إنه سيحصل على الخير العظيم بفعله لها حال إقامته، وبكتابة أجْرِها، ولو لم يفعَلها حال سفره ومرضه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بردة رضي الله عنه: ((إذا مرِض العبد أو سافر، كُتِب له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا)) [4]، وهذه السنن هي (ثنتا عشرة ركعة، وتفصيلها كما يلي:
رکعتان قبل الفجر، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء.
وفي كل ركعة منها دعواتٌ وتسبيحاتٌ، وقراءة وخضوع، وتمجيد وتحميد وانكسار، وغير ذلك من الكنوز العظيمة التي لا يتركها إلا محرومٌ، ومن أهميتها أنها تُقضى إذا فاتَتْ، فحافِظْ عليها تسعَدْ دُنيا وأخرى.
لو حاولت أن تضع إحصائية مُيسَّرةً للخير الذي ستحصل عليه من خلال هذه الركعات، مما يحصل فيها من السجود، أو الدعاء، أو التسبيح، أو غيرها - لرأيتَ خيرًا عظيمًا تفرَح به في الدنيا، وتُبشَّر به في الآخرة، فاحذَر لا يغلبنَّكَ الشيطان، فتتهاون بها، فهو سيقف في طريقك مُثبِّطًا لك عن فعلها، فاثبُت ثبوتَ الجبال، فإن الجد إذا داوم عليه صاحبُه كان له سجيةً، ونال مُناه بإذن الله تعالی.
كم هو عظيم جدًّا تعويد الصغار على هذه السنن الرواتب، حتى ينشؤوا عليها؛ لذا كان من فضائلها أن تُصلَّى في البيت؛ حتى يعتادَها النساء والصبيان، لكن إن اقترن بفعلها في المسجد أمرٌ آخر يتعلَّق بذات العبادة، فهو أفضل؛ لأن مراعاة ذات العبادة أولى من زمانها أو مكانها.
[1]كتاب "أربعون مجلسًا في التربية الإيمانية"، ص 15-16.
[2] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (۷۲۸) 1 /503.
[3] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (488) 1 /353.
[4] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (2996).