مقالات٨ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ٠ مشاهدة

المجلس الأول (الأذكار الصباحية والمسائية)

المجلس الأول (الأذكار الصباحية والمسائية)

كم هو جميل أن تجعلَ مقدمة يومك وليلتك ذكرًا لله تعالی؛ بحيث تستفتح صباحك بالذكر، ومساءك بالذكر؛ فتشارك الذاكرين الله كثيرًا، وتطمَح أن تكون منهم!

هذه الأذكار آياتٌ تُتلی، ودعواتٌ تُرفَع، وآثارٌ يكون بها حفظ الله تعالی لعبده، يَکلؤه ويرعاه ويُوفِّقه ويهديه، وهي حِصْنٌ حصين من المخاطر، ومقامٌ رفيع في الدرجات العُلا، وحسنات متتابعة، وطُمأنينة وانشراح، واقتداء وهُدى؛ كما ورد ذلك في الكتاب والسنة، مما سيأتي خلال هذه المجالس إن شاء الله تعالى.

أهمس في أُذُنك أخي القارئ الكريم، فأقول: لا تكن ناسيًا لها، ولا مُؤجِّلًا، ولا في قراءتها غافلًا، أو ساهيًا، فإن تأثيرها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "كما أن السيف بضاربه"، فمَنْ قرأها بحضورٍ وتأمُّلٍ وتدبُّر، لم يكن كمَن لا يعلم ماذا قرأ منها، وماذا ترك، فإن السيف قد يكون حادًّا، ولكن الضارب ضعيفٌ فلا يقطع، وقد يكون السيف غيرَ حادٍّ، لكن الضارب قويًّا فيقطع، وهكذا حضور القلب في قراءتها[1]، فحضورُ القلب حالَ القراءة مقصودٌ؛ لتتربَّى النفوس على التدبُّر، والتأمُّل لموائد الهدى والتُّقى، وترتبط بكلام خالقها.

ومن هذه الأذكار ما يلي:

(أ) آية الكرسي كما في قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع الشيطان بلفظ ((... قال لي: إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرأ آية الكرسي من أوَّلها حتى تختم الآية: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ...﴾ [البقرة: 255]، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يَقربك شيطان حتى تُصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما إنَّه قد صَدَقَكَ وهو كَذُوب ...))[2].

(ب) آخر آيتين من البقرة (في المساء)؛ قال عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ قرأهما في ليلة كفتاه))[3].

(ج) السور الثلاث، وهي: الإخلاص، والفلق، والناس (ثلاثًا) في الصباحوالمساء، وورَد فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تَكفيك من كلِّ شيء))[4]؛ يقول ابن القيم رحمه الله: "حاجة الناس للمُعوِّذَتَينِ أشَدُّ من حاجتهم للطعاموالشراب".

(د) سيد الاستغفار؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سيِّدُ الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدُكَ، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شرِّ ما صنعت، أبُوء لَكَ بنِعْمتِكَ عليَّ، وأبوء لَكَ بذنبي، فاغفِر لي إنه لا يغفر الذنوب إلَّا أنت))[5].

(ه) ((بسم الله الذي لا يضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم))، (ثلاث مرات)؛عن أبان بن عثمان عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قال: بسم الله الذي لا يضُرُّ مع اسمِه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، لم يضُرَّه شيء))[6].

(و) ((أعوذ بكلمات الله التامَّاتِ من شَرِّ ما خَلَقَ))؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ نزل منزلًا، فقال: أعوذُ بكلمات الله التامَّات من شرِّ ما خَلَق، لم يضُرَّه شيء حتى يرتحل من منزله ذلك))[7].

(ز) ((سبحان الله وبحمده)) (مائة مرة)؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَد البحر))[8].

(ح) ((لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))، (مائة مرة في اليوم)؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ قال: لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة - كانت له عدلَ عشر رِقابٍ، وكُتبت له مائةُ حسنة، ومُحيت عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممَّا جاء به إلَّا أحدٌ عمِل أكثرَ من ذلك))[9].

(ط) ((سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته)) (ثلاثًا)؛ فقد ورد في حديث جويرية رضي الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مراتٍ، لو وُزِنَتْ بما قلتِ منذُ اليوم لوزنتَهُنَّ))[10] ، ثم ذكر هذه الكلمات المذكورة.

هذه الأذكار لها الأثر الإيجابي في المسلم؛ في حفظه، وتحصينه، وهَدْيه، وسَمْته، وأخلاقه، إذا حافَظ على تَكرارها وتدبُّرها.

وقتها: بداية الأذكار الصباحية من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتُقضى في وقت الضُّحى، وأما المسائية فهي من بعد صلاة العصر، وتُقضى بعد المغرب.

(يُقترَح تحفيظ هذه الأذكار للصِّغار؛ لينشأ هؤلاء الفتية على محبَّةِ ذكر الله، ولتحصينهم وحفظهم).

[1] بتصرف من كتاب زاد المعاد 4/62.

[2] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (۲۳۱۱) 3/101.

[3] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (4۰۰۸) 5/ 84، ومسلم في صحيحه برقم (۸۰۷) 554.

[4] أخرجه أبو داود في سننه برقم (5۰۸۲) ۷/ 415، والترمذي في جامعه برقم (۳5۷5)5/ 56۷.

[5] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6306) ۸/ 67.

[6] أخرجه أحمد في المسند برقم (446)۱/ 4۹۸، والترمذي في جامعه برقم (۳۳۸۸)5/ 465، والنسائي في الكبرى برقم (۱۰۱۰6)۹/ ۱۳۷، وابن ماجه في سننه برقم (3869) 5/ 35، وابن حبان في صحيحه برقم (۸5۲) ۳/ ۱۳۲، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (5745) 2/۱۰۰۲، وحسنه عبدالقادر الأرناؤوط برقم (2224)4/234.

[7] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (۲۷۰۸ )4/ ۲۰۸۰

[8] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6405) 8/86، زبد البحر؛ أي: في الكثرة والعظمة مثل زبد البحر؛ وهو ما يعلو على وجهه عند هيجانه وتموُّجه.

[9] أخرجه البخاري في صحيحه برقم (۳۲۹۳) 4/126، ومسلم في صحيحه برقم (2691) 4/2071.

[10] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (۲۷۲6) 4/۲۰۹۰.