الأسرة واحتواء الخلاف
يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.
الأسرة واحتواء الخلاف
الحمد لله وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
الكل يدرك أهمية اجتماع الكلمة وما تحمله من المصالح الجامعة والفوائد الجمة التي يكون من مخرجاتها لم الشمل والتواصل والتكاتف واتحاد الرأي ونبذ الخلاف، وهذا كله قد دل عليه القرآن والسنة، فإن الله عز وجل يقول: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابيين الكريمين: (بشّرا ولا تنفرّا وتطاوعا ولا تختلفا)
وكذلك أيضا يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن الخلاف: بأنه شر.
إن الخلاف والاختلاف العائلي يشتت الأسرة ويجعلها أحزابا ويقطع الصلة فيما بينها مما يورث البغضاء والعداوة، ولذلك نهى الشرع عن ذلك أشد النهي وشدد فيه، لأن التماسك الأسري مطلب كبير وهدف عظيم، لتكون الأمة كالجسد الواحد، ولعلي أعرض هذا الموضوع من خلال الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: إن للخلاف شؤما في الدنيا والدين، فهو يشتت ويفرق ويفكك الأسرة ويقطع أواصرها، وهذا لا يريده الشرع ولا يؤيده العقل، فعجبًا لمن سلك ذلك المسلك وهو في عداد العقلاء عند الناس، بل ويُستشار ويُشير، قال الله تعالى (أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنا) فيا ليت هذا وأمثاله يقيس بمقاييس الشرع مستحضرا الآخرة وسؤالها ومواقفها، وما جوابه أيضا عندما يُسأل عن تخليطه هذا في دنيا لا تعادل عند الله جناح بعوضة، ولكنه قد يؤزه الشيطان لذلك الخلاف، فليعلم هذا وأمثاله أن ذلك سبيل الشيطان.
الوقفة الثانية: البعض قد يجد من قرابته الأقربين أو الأبعدين ما قد يكون نوعا من الجفاء، لكن ما هو الموقف السليم من ذلك؟ إن الموقف من ذلك هو بالتفاهم والاحتواء وتقدير المصالح والمفاسد المترتبة على استمرار الخلاف والتوسع فيه، وأيضا إدراك أن له مفاسد دنيوية وأخروية لو تأملها أحد المتخالفين لأسرع إلى الصلح وبأي ثمن، لأنه سيكون سببا في القطيعة، وقد يمتد لا قدر الله للأولاد والأحفاد.
فلو عملنا مقارنة بين تحمل المشاق والمساوئ من القريب قدر الإمكان مع البحث عن الحل عنها وبين الخلاف والانقطاع لعلمنا أن الثاني وهو الانقطاع هو الشر المستطير وهو هدف الشيطان في التفرقة، وهو الذي تتفجر منه المساوئ، لكن الأول وهو تحمل الخطأ الوارد والتوجيه فيه هو سبيل للحل وتقريب لوجهات النظر، فضرر الخلاف والقطيعة أشد من ضرر التحمل للخطأ لأن الرجاء ممكن وقريب في الإصلاح، أما الانقطاع فهو انحدار في سبيل توسعة الخلاف ومشقته.
الوقفة الثالثة: إن من أضرار الانقطاع وشدة الخلاف أنه قد يتم توارث الخلاف والقطيعة في الأحفاد والأسباط، وهذا لاشك أنه مطلب كبير للشيطان في بذرة الخلاف وتوسيعه، ويا ليت قومي يعلمون شؤم هذا، ويدركونه ليسدو على الشيطان طرقه وسبله، وهذا يحتاج إلى صفة عظيمة يتصف بها العقلاء من الناس، وهي بعد النظر، فليس كل تصرف ورد على الذهن والفكر يكون مناسبا، بل لابد من عرضه على نصوص الوحيين، فإن صفة بعد النظر والتفكير في العواقب أمر مهم، والعاقل الحصيف في تدبير شؤونه ومعاملاته.
الوقفة الرابعة: التغافل مطلب كبير وعظيم في بقاء الود والمودة والصلة، وليكن ذلك التغافل إيجابيا، فليس كل تغافل ممدوحا، بل التغافل الذكي الذي ترجى من ورائه مصلحة هو الممدوح، فلا تدقق في كل شيء، ولا يلزم أيضا أن تأخذ حقك كاملا في كل حين، فلابد من التنازل أحيانا لتدوم المحبة والأخوة والصلة.
الوقفة الخامسة: كن مشجعا في كل إيجابية تراها في قريبك، فإن هذا التشجيع مما يؤلف بين القلوب ويقرب بين النفوس ويزيل كثيرا من السلبيات الواقعة والمتوقعة، فبعض الناس ديدنه النقد والسلبية، أما عند الإيجابية فهو قارئ صامت، وهذه طبيعة سلبية يمكن تغييرها بالدربة والتدريب.
الوقفة السادسة: اجعل تلك القاعدة نصب عينيك عند حصول الخلاف، وهي: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، لأن في تلك القاعدة مجالا لتصحيح الخطأ وقبول ذلك التصحيح، لكن المشكلة إن كان الإنسان يحمل قاعدة أخرى وهي: رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ لا يحتمل الصواب، فهذه القاعدة الأخيرة هي أم المشاكل فإنه قد يملأ نفسه من صوابه وخطأ غيره، فعلى العاقل أن يتهم نفسه ورأيه ويناقش بهدوء ولا يجزم مائة في المائة في صواب رأيه حين عرضه وتبنيه، بل يتقبل الآراء الأخرى بصدر رحب وبمناقشة هادئة لأن الصواب قد يكون مع غيره من حيث لا يشعر هو بخطأ نفسه.
الوقفة السابعة: إن التناصح بين أفراد الأسرة مهم جدا سواء في أمور الدنيا أو الدين، لأن هذا التناصح والتواصي هو من المثبتات على الوفاق ومن المقويات على الوصال، وتدرأ الخلاف وتصحح المفاهيم وتورث المحبة، ولكنها مشروطة بالمكان والزمان المناسبين واللفظ الطيب والاحترام المتبادل، فإنه بتلك الشروط لا شك أن صاحب الخطأ سيرجع إلى صوابه بإذن الله عز وجل.
الوقفة الثامنة: من الجميل جدا أن يكون في العائلة أفراد أعدوا أنفسهم واحتسبوا الأجر عند الله تعالى، فقاموا في الأسرة مقام لجنة الإصلاح، فما أن يسمع خلافا إلا ويسارعون للمشاركة في حله ومناقشة أصحابه بهدوء وطمأنينة، فهؤلاء مصلحون وهم على خير عظيم، وعملهم هذا صدقة جارية وعمل متعد خيره إلى غيرهم، فهنيئا لهم ذلك العمل.
الوقفة التاسعة: عند حدوث تصرف سيئ من بعض أقاربك لا تدع فرصة للشيطان أن يستثمره في صالحه، فإن الشيطان حريص كل الحرص على استثمار مواطن الخلاف وتأجيجها وتوسيعها، وهذه مطالب سلبية قد يجري الإنسان وراءها من حيث لا يشعر، فعند حصول الخلاف قف وتأمل قبل أن تتصرف وتتلفظ، فإنك قد تفعل شيئا أو تقوله فتندم عليه، وليست الشجاعة والقوة هي الغالبة على كل حال، بل الشجاعة هي تحصيل المصالح ودرء المفاسد.
الوقفة العاشرة: عند حصول الانقطاع، كن شجاعا في نبذ هذا الانقطاع، واعلم أن الخطوة الأولى هي التي تكمن فيها الصعوبة، وبعدها كل شيء يهون ويسهل، وقد يكون صاحبك الآخر كله رغبة في الوصال، ولكنك لم تشعر به، واعلم بأنك في هذا الوصال تدرأ شرا كبيرا قد يتسلسل في الأولاد والأحفاد، فاعزم واقطع الطريق على الشيطان، وتوكل على الله، ومن توكل على الله أعانه وكفاه، وتذكر حديث (اتركوا هذين حتى يصطلحا)، فكيف تهنأ بعيش وأنت يقال عنك ذلك؟ وأنت بهذا الوصال تقطع تراكم المفسدة وتزايدها وتتفرغ لما ينفعك في دنياك وأخراك، وكذلك تحضر مناسباتك مع أقاربك بكل ارتياح حيث لا خلاف ولا شقاق، فأنت المستفيد الأول، فلا تجعل الفرصة تفوتك مقابل ظنون لا حقيقة لها، فاعزم واحزم الأمر، فأنت الرجل الشجاع المقدام، وأنت العاقل الحصيف، فكيف تتأخر وقد اتصفت بتلك الصفات الجليلة الطيبة، فما هي إلا لحظات من الإقدام، ويزول ذلك الانقطاع، فلا تضحي بالوصال والائتلاف على حساب نزعات النفس الأمارة بالسوء وتوجهاتها السلبية.
أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعا الوصال والوفاق، ونعوذ بالله تعالى من الخلاف والفراق.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.