صوتيات٤ ذو الحجة ١٤٤٢ هـ٠ مشاهدة

الثواب والعقاب داخل الأسرة

استمع الآن

يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.

الثواب والعقاب داخل الأسرة

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم النبيين وعلى آله وأصحابه والتابعين وبعد،

إن من المبادئ التربوية المهمة في التربية التشجيع والتحفيز، فمن أهم الطرق في استخراج وتنمية الإيجابيات هو التشجيع عليها، فتتكاثر تلك الإيجابيات من خلاله ولو كان تشجيعا لفظيا أو حسيا يسيرا، فمن الآباء والأمهات من أحسن التعامل مع التشجيع حسب سياسته الأسرية، ثم أتبعوه بالثواب المناسب، فتخرج على أيديهم جيل من الأولاد إيجابيون متربون، كما أنهم أيضا لم يغفلوا عن العقاب عند السلبيات لتلافيها، فكان أولادهم يعيشون بين الترغيب والترهيب إيجابا وسلبا، وحيث إن الثواب والعقاب سياستان تربويتان في تصحيح المفاهيم وتعديل المسار، فسيكون الحديث عن الثواب والعقاب داخل الأسرة ضمن الخطوات التالية:

الخطوة الأولى: لابد أن يبحث الوالدان مع أولادهم آلية لتعزيز الإيجابيات وتكثيرها، وآلية لمنع السلبيات وتقليلها بالطريقة المناسبة، مع ضرب الأمثلة الواقعية في ذلك المجال سلبا وإيجابا، وهذا البحث في الإيجابيات والسلبيات غاية في الأهمية لأنه قاعدة لمبدأ الثواب على الإيجابية والعقاب على السلبية، وتكون تلك القاعدة منطلقا في أن يفهم الأولاد ذلك فهما جيدة.

الخطوة الثانية: يتنوع الثواب على الإيجابيات حسب درجاتها، فقد يكون الثواب لفظيا كقول المربي مثلا: أحسنت وشكرا وجزاك الله خيرا وممتاز منك هذا العمل وايجابياتك بدأت بالتكاثر فلك شكري وتقديري ونحو ذلك مما يحفز ويشجع، وقد يكون الثواب أحيانا حسيا معنوية كالابتسامة أو التقبيل أو العناق أو الإشارة المفاهمة الإيجابية ونحو ذلك.

وقد يكون الثواب أحيانا حسيا ماليا كمبلغ نسبي يتناسب مع هذا الإنجاز، وقد يكون الثواب أحيانا حسيا ماديا، كالهدية الصغيرة واليسيرة للشخص المنجز والايجابي، فكل هذه وأمثالها لا تكلف شيئا ولكنها تفعل الأفاعيل في التشجيع لأولادنا.

الخطوة الثالثة: ويتنوع العقاب أيضا على السلبية، فقد يكون نظرة أسف وانزعاج من هذا الفعل، وقد يكون لفظيا كقولك: ما كنت أتوقع أن تفعل هذا الفعل المشين، وكقولك: مستواك أرفع من تلك الأفعال السلبية، وقد يكون العقاب حسيا معنويا، والامتعاض من هذا الفعل وإظهار عدم الرغبة فيه وإظهار التضايق منه وعدم قبوله، وقد يكون العقاب أحيانا بالمنع من الذهاب إلى شئون يريدها صاحب تلك السلبية أو المنع من رحلات معينة ونحو ذلك، وقد يكون العقاب أحيانا بسحب مقتنيات مرغوبة عند المخطئ لمدة معينة، وقد يكون العقاب بالهجر المؤقت بضوابطه، وأما الضرب فلا يناسب أن يكون عقوبة إلا بشروطه، وهي أن يكون غير مبرح وخفيفا، ويقصد به التأديب وليس التعذيب، وأن يجتنب الوجه ويكون آخر الخطوات بمثابة الكي ونحو ذلك.

الخطوة الرابعة: ضوابط في الثوابت يتعين مراعاتها وهي أن لا يكن الثواب على كل شيء حتى لا يبتدع وتفقد قيمته، وكذلك لا يكون الثواب أكثر من الفعل، فلكل فعل ما يناسبه من الثواب، وكذلك غالبا يكون الثواب على السلوك الإيجابي المتكرر، أما السلوك العابر والخفيف تكفيه الإشارة والإشادة، كذلك يكون الثواب يتناسب مع سن المراد تشجيعه، ونحو ذلك من الضوابط التي تجعل الثواب هاما ومحفزا.

الخطوة الخامسة: وللعقاب ضوابط يتعين مراعاتها، ومن ذلك أن يكون العقاب على الخطأ المتكرر في الغالب، وأيضا ألا يكون العقاب بشيء يصعب تنفيذه، وكذلك أن يكون العقاب على قدر الخطأ ولا يبالغ فيه، كذلك ينبغي التنبيه لسلبية هذا الفعل أو القول قبل إيقاع العقوبة عليه، أما العقوبة اللفظية بالتشبيه بالحيوانات أو الوصف بالغباء ونحو ذلك فهذه لها سلبياتها على المخطئ لاحقا، وهي لا تعدل سلوكا ولا تبني تربية، غير أنها تطفئ غضب تلك الساعة، وهذا ينبغي على المربين من الآباء والأمهات وغيرهم الترفع عنها وعدم تفعيلها والاتصاف بها.

الخطوة السادسة: إن للثواب والعقاب مخرجات طيبة ومتميزة، ومن تلك المخرجات الأمور التالية:

أولا: معرفة السلوك الجيد والسيئ عند المتربي.

ثانيا: تربية الناشئة على السلوكيات الطيبة وتحذيرهم من السلوكيات السيئة.

ثالثا :تكثير الإيجابيات وتقليل السلبيات.

رابعا: تقليل المشاكل الأسرية التي من شأنها عدم الثواب والعقاب.

خامسا: إقامة العدل التربوي في السلبيات والإيجابيات عند المتربي، فكما يكافأ في الإيجابية فأيضا يعاقب على السلبية.

إلى غير ذلك من المخرجات الطيبة المتكاثرة عند التأمل، لكن تلك المخرجات تحتاج إلى نظرة تربوية من الوالدين تجاه أبنائهم وبناتهم ودراستها ومعرفة تأثيرها التربوي عليهم.

الخطوة السابعة: يمكن للوالدين أو أحدهما تحديد نسبة من دخلهم الشهري للتشجيع والتحفيز، وهذا التحديد لتلك النسبة يشجع الأبوين على تشجيع أولادهم، حيث إن تلك النسبة مدخرة لهذا الهدف لا تستهلكها الحاجيات الأخرى، وهذه طريقة نافعة ومشجعة ولو كانت قليلة يسيرة، وهي داخلة من ضمن ترتيبات الميزانية الشهرية للأسرة.

الخطوة الثامنة: يمكن للوالدين أن يجعل الثواب للأولاد عن طريق جمع النقاط ويكون الثواب شهريا، وخلال ذلك الشهر تجمع النقاط الإيجابية للمتربي، فكل فعل إيجابي له نقطة، وأما عند حدوث عمل سلبي تحذف منه تلك النقطة، وهكذا خلال الشهر ما بين رابح وخاسر حتى نهاية الشهر، فيأتي زمن التكريم وتذكر عناصر للإيجابيات كأمثلة لتعزيزها وتقويتها كالمحافظة على أثاث البيت وعدم الألفاظ السيئة، وأيضا الصلوات الخمس في المسجد، مع إدراك التكبيرة الأولى، وتنفيذ أوامر الوالدين، ونحو ذلك من الإيجابيات، مما يفتح ذهن الأولاد إليها ويذكرهم بها.

الخطوة التاسعة: لابد من العمل على إزالة السلوك غير المرغوب فيه وتغييره، وذلك عن طرق عدة منها :

أولا: إضعاف السلوك غير المرغوب فيه بتعزيز السلوك المرغوب فيه، كمن ينام متأخرا فيعزز لديه النوم المبكر، وهكذا في حل واجباته ومراعاة ألفاظه ونحو ذلك.

ثانيا: العقوبة على مزاولة هذا السلوك السيئ بما يتناسب معها مما ذكر سابقا أو ما هو قريب منه.

ثالثا: التعريض اللفظي من الأبوين للأولاد بسوء هذا السلوك وطلب الابتعاد عنه.

رابعا: العمل على الوقاية من حدوث هذا السلوك في الأصل فيكون إجراء وقائيا عن الوقوع فيه.

خامسا : عدم التساهل من الأبوين برؤية هذا السلوك من الأولاد ثم تركهم من دون تنبيه أو إنكار.

سادسا : لا يفعل الوالدان هذا السلوك غير المرغوب فيه لأنهما موضع القدوة والأسوة للأولاد.

سابعا :التحذير من هذا السلوك غير المرغوب فيه في وسائل التواصل، أو عن طريق كتيبات ومطويات يقرأها الأولاد ليحذروا ذلك السلوك وغيرها كثير عند التأمل.

الخطوة العاشرة: ليكن الوالدان الكريمان مبادرين في استحداث برامج تربوية ولو كانت صغيرة ويسيره حتى إذا تم تفعيلها وتطبيقها عند الأولاد استحقوا عليها الثواب، ومن الأمثلة على تلك البرامج ما يلي:

أولا : حفظ الأذكار اليومية الدورية في اليوم والليلة فيتم تسميعها وتطبيقها.

ثانيا: القراءة الثقافية ولو ثلاث صفحات يوميا، فالقليل مع القليل كثير.

ثالثا: حفظ شيء من القرآن ولو كان يسيرا ثم تسميعه.

رابعا : استحداث سؤال تربوي أسبوعي بعنوان من الفائز ويكون للسؤال مقدمة تربوية يسيرة، ثم يذكر السؤال بعدها.

ولعله من العتب الكبير على بعض الآباء أن يجعل الثواب مبالغا فيه وغير مناسب للمثاب، كمن يجعل الثواب سيارة لشاب صغير أو جوالا لطفل على نجاحهما مثلا فإن السيارة والجوال إذا لم يكونا للشخص المناسب فهما هدم له وليس تشجيعا وتحفيزا، فلنحرص أن يكون الثواب مناسبا للمثابرة ليتحقق الهدف، فقد يثاب بشيء يضيع سلوكه الإيجابي من خلاله، فانتبه لذلك وفقتم وبوركتم.

أيها الآباء والأمهات الكرام، إن مبدأ الثواب والعقاب هو أسلوب تربوي كبير قد يغفل عنه بعض المربين، وهو وقود تكثير الإيجابيات وتعزيزها وتقليل السلبيات ومحوها، فلنهتم جميعا بهذا المسلك التربوي بإلهام لأولادنا، وأولادنا هم المستفيدون من هذا الإجراء التربوي، فإذا رأيناهم قد تعززت عندهم الإيجابيات وزالت عنهم السلبيات، استبشرنا وشكرنا الله تبارك وتعالى على منته وعطائه.، ولاشك أن هذا المسلك في الثواب والعقاب يحتاج إلى صبر ومجاهدة وترتيب من الوالدين، فالجزاء من جنس العمل، ولكل عمل وعمر وصنف ما يناسبه من الثواب والعقاب، فلا تثيرنا كثرة الطلبات على ثواب غير مناسب أو عقاب غير مناسب، لأن الهدف تربية ذلك المثاب أو المعاقب، فإذا لم يناسب نوعية الثواب والعقاب فقد أخللنا بالهدف الذي نسعى إليه.

أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعا ولأولادنا الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.