التربية بالمواقف
يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.
التربية بالمواقف
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد
إن تنوع التربية ومجالاتها مما يوسع على المربين وسائل تربيتهم ويجعلهم في سعة من أمرهم، ومن هذه المجالات المهمة في التربية، التربية بالمواقف، ومعنى ذلك: أن موقفا أو واقعة تحصل بينك وبين زوجتك أو ابنك أو قريبك أو جارك أو أخيك المسلم، فإن هذا الموقف المشاهد بينكما يمكن استثماره إن كان إيجابيا، فبالترغيب والتشجيع، وإن كان سلبيا بالتحذير والنهي عنه، فمن تلك الناحية أصبحت التربية بالمواقف غاية في الأهمية إذا استُثمرت، وخسارة إذا ضُيعت، وسأذكر اثنتي عشرة نقطة حول هذا الموضوع.
النقطة الأولى: إن استثمار تلك المواقف غاية في الأهمية، فربما أن موقفا اختصر على المربي خطوات كثيرة وجهودا جبارة، فإياك وإهمالها والتسويف في استثمارها، فهي محطات تربوية يتلقاها عنك الآخرون فيحفظونها لك فيتربون ويربون من خلالها، فربما كان الموقف منطلق حياة أخرى لصاحبه، وربما تولد من الموقف مواقف أخرى، فيا بشرى ذلك المستثمر لتلك المواقف الحياتية التي يواجهها.
النقطة الثانية: إن التوجيه التربوي من خلال هذا الموقف قد يكون بذرة لمشروع كبير شخصي أو مجتمعي، فقد حفظ القرآن أفراد بسبب موقف معين، وبعضهم أكمل دراسته العليا في الدكتوراه بسبب موقف تربوي أثر عليه، فهذا المشروع كما أنه صدقة جارية لصاحبه، فهو أيضا للموجه من خلال هذا الموقف، فمن تفطن لمثل هذا فإنه يتابع تلك المواقف ليستكثر من الخير في تأسيس مشاريع من خلال كلماته اليسيرة في استثماره للمواقف.
النقطة الثالثة: كم من موقف صحح مفاهيم كبيرة اجتماعية أو شرعية أو غيرها، لكن ثمة شروط لاستثمار تلك المواقف بالتوجيه، ومن هذه الشروط:
أولا: الاحترام المتبادل بين الاثنين.
ثانيا: المكان المناسب للتوجيه.
ثالثا: الزمان المناسب للتوجيه.
رابعا: اللفظ المناسب أيضا في التوجيه.
فبهذه الشروط يستكمل عقد التوجيه بإذن الله حلقاته، ويكون مؤثرا إيجابيا على صاحبه.
النقطة الرابعة: كم هو جميل جدا بعد استثمارك لهذا الموقف بتوجيه تربوي لصاحب الموقف، أن تتلفظ بدعوات ولو يسيرة إلى الله تبارك وتعالى، أن ينفع بها ويبارك ويسدد، فربما نجح الموقف بسبب تلك الدعوات.
النقطة الخامسة: إن التربية بالموقف هي من مكونات الشخصية المتميزة، حيث يستفيد منها الآخرون بشتى الوسائل، ومنها تربية من يلاقيهم في مواقف بينه وبينهم يتم من خلالها توجيههم ولو باليسير، فهذا التوجيه هو قناة مكملة في شخصية هذا المربي.
النقطة السادسة: إن الفرص التي تحصل مع أولادنا وزوجاتنا وأسرنا كثيرة، وذلك من خلال المآكل والمشارب والمناسبات والذهاب والإياب والرحلات الطويلة والقصيرة ونحو ذلك، فهذه كلها مجالات في التربية من خلال رصد مواقف معهم يحصل من خلالها التربية والتوجيه، أرأيت ذلك الموقف الذي حصل في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن عمرو ابن أبي سلمة طاشت يده في الصحفة، فاستثمر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الموقف وأرشده إلى الصواب قائلا (يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك) فقال عمرو بعد ذلك: ما زالت هي طعمتي بعد.
فكذلك يستثمر الوالدان مع أولادهم مواقفهم المنزلية والأسرية بالتوجيهات التربوية.
النقطة السابعة: تختلف المواقف باختلاف أصحابها، فكما يكون التوجيه أحيانا تربويا إيجابيا فقد يكون أحيانا سلبيا، فالتوجيه الإيجابي هو بمثابة من يسقي زرعا بالماء الجيد والسماد المناسب، وأما السلبي فهو بمثابة من يسقي الزرع بالماء الفاسد والسماد الفاسد، إن التوجيه السلبي يحصل أحيانا بسبب ثورة غضب في ذلك الموقف أو نوع من الخصومة واللجاج، ومرجع ذلك كله بعد توفيق الله تعالى إلى عقلية المتحدث وبُعد نظره وتحمله وصبره واحتوائه للموقف.
النقطة الثامنة: إن الصغار عندما تمر بهم تلك المواقف الإيجابية فإنهم يتذكرونها دائما، وربما ورثوها تربويا لأولادهم وأصدقائهم، وربما مارسوا ذلك هم بأنفسهم عندما أدركوا وكبروا اقتداء بذلك الموجه الأول، فلا تحتقر الصغير لصغره، فهو يحفظ ذلك التوجيه علما وعملا وإجلالا، راجع تفكيرك في مستقبله لا في حياته الآنية.
النقطة التاسعة: أخي المربي الفاضل لا تستقل شيئا من التوجيهات تقولها في أحد مجالسك مستثمرا بموقف ما، فإنك لا تعلم ماذا تحمل تلك الكلمة في مستمعيها، فربما بنوا أشياء كثيرة مستجدة لم تكن في حسبانك حين ذلك الموقف، بل إن تلك الكلمة ربما أثرت أشياء إيجابية كامنة في ذهن ذلك المستمع في ذلك المجلس.
النقطة العاشرة: إن التربية بالموقف ليس هو للأولاد فقط أو للصغار، بل هو للعموم، فكل موقف بين اثنين يمكن استثماره تربويا لصالحهما أو صالح أحدهما، فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقول أحدهم للآخر عندما يلتقي به (ألا أهدي لك هدية) ثم يدله على عمل صالح أو مسألة شرعية أو نحو ذلك، ولنا بهم أسوة حسنة.
النقطة الحادية عشرة: أنشر في مجالسنا ثقافة التربية بالموقف ليتدرب الناس بعضهم من بعض، فإن المواقف بين الناس كثيرة وكثيرة جدا والجميع محتاج إلى التوجيه والتسديد، علما أن هذه التوجيهات هي من الكلمات الطيبة فهي صدقات لأصحابها.
النقطة الثانية عشرة: إن أكثر ما يكون مخاطبا بالتربية بالموقف هو الوالد والمعلم، فالوالدان مع أولادهم والمعلمون والمعلمات مع طلابهم وطالباتهم مستثمرين مواقفهم معهم فيا بشراهم عند استثمارهم، لذلك فهي صدقات لهم يربيها الله عز وجل حتى تكون مثل الجبال.
أسأل الله تعالى للجميع السداد والرشاد والهدى والتقى والصلاح والإصلاح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.