تجارب تربوية من الميدان الأسري
يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير البرية أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين وبعد،،
إن مجتمعنا الأسري بحمد الله تبارك وتعالى يزخر بعوامل تربوية جميلة، لكنها تحتاج إلى إبراز وإخراج، ولا يكاد بيت من البيوت إلا وفيه شيء من تلك التجارب مستقل ومستكثر.
وسأذكر عددا من التجارب التربوية في بعض البيوت من الميدان الأسري، حيث ذكر أصحابها أنهم نفذوها في بيوتهم فوجدوا لها أثرا إيجابيا على سلوك أولادهم، وهم أيضا عازمون على استمرارهم عليها وعلى غيرها، وفقهم الله وبارك في جهودهم وأصلح الجميع وجعلهم قرة عين لأمتهم ومجتمعهم.
وهذه التجارب هي على النحو التالي:
التجربة الأولى: يقول أحدهم: كنت أفكر في سلوك الأولاد وأرصدها سلبا وإيجابا، وسلكت عددا من الحلول للسلبية، والتنمية للإيجابية، ومن تلك الحلول: استحداث جلسة منوعة تربويا وثقافيا يستعد لها أهل البيت بعيدا عن الأطفال الصغار، فكنا نطرح في تلك الجلسة ولمدة نصف ساعة تقريبا أسبوعيا، طرحا مناسبا في أسلوبه ومضمونه، ونتجاذب فيه أطراف الحديث، مع ما يصحب تلك الجلسة من مأكول ومشروب، فما كنا نتصور النتيجة الإيجابية علميا وعمليا التي حصلنا عليها ولله الحمد والمنة، وإني أدعو الجميع لاستحداثها، فهي وقائية وعلاجية لكثير من المشاكل والسلوكيات السلبية، كما أنها أيضا تنمي الإيجابية في أهل البيت، فهي خير كثير استفدناه.
التجربة الثانية: يقول صاحبها: وضعت لأولادي برنامجا في تلاوة القرآن لكل منهم ما يناسبه، بحيث أجلس مع كل واحد منهم جلسة خفيفة ثنائية بيني وبينه، فأعرف من خلالها ما يطيقه من التلاوة بلا تعب، فأرسم له برنامجا في التلاوة، ثم بعد ذلك أطالبهم بالتنفيذ بما رُسم لهم من البرامج، فيقرأ كل منهم القرآن حسب البرنامج المرسوم لكل واحد منهم، مع تشجيعي وزوجتي لهم، وربما كرمناهم في نهاية الشهر، فكان لها الأثر الكبير، حيث يُختم القرآن في البيت مرارا عدة في الشهر الواحد، وقد تصل إلى أكثر من عشرين ختمة أحيانا في الشهر، فصار الأولاد يتسابقون على ذلك، فهنيئا لصاحبنا تلك التجربة الرائعة.
التجربة الثالثة: يقول صاحبها: وضعت عددا من الكتيبات اليسيرة والصغيرة أمام أولادي في دخولهم وخروجهم، وذكرت لهم أن من قرأ كتابا منها فله كذا وكذا من المكافأة، فبدأ الأولاد يتسابقون إليها، وكنت أكرمهم بأشياء رمزية، لكنهم أدركوا أنهم مستفيدون منها، فكان التكريم بعد ذلك عندهم شيئا ثانويا، لكن تحسنت قراءتهم وحسن سلوكهم، وكنت اختار الكتب التي تعالج مشاكلهم وتبني فيهم القيم الحميدة.
التجربة الرابعة: يقول صاحبها: جلست مع أبنائي، ثم ناقشت معهم مسؤوليات البيت وحاجياتها التي كنت أقوم بها لوحدي، ثم أعطيت كل واحد منهم ما يناسبه منها وما يرتاح إليه، ثم بعد ذلك التقسيم صار كل واحد منهم يقوم بمهمته التي أوكلت إليه خير قيام، حيث أجادها بامتياز مع الوقت، فكنت أشرف عليهم، فكسبت أنني ارتحت بنفسي، وأعطيتهم أيضا دروسا عملية في تحمل المسؤوليات.
التجربة الخامسة: يقول صاحبها: ناقشت مع أولادي أن نحدد كتابا نسميه كتاب الشهر ويكون بالحجم المتوسط، وهذا الكتاب يعالج بعض المشاكل ويحيي بعض القيم فاتفقنا على قراءته خلال الشهر، ووضع مسابقة عليه في الأسبوع الأخير من الشهر، ثم يُكرم الفائزون ونضع كتابا آخر للشهر الجديد، وهكذا، فكان لها عظيم الأثر الإيجابي على السلوك الشخصي لهم، وأيضا على صقل مواهبهم علما وعملا.
التجربة السادسة: يقول صاحبها: كنت إذا قمت بزيارة والدي الكريمين أذهب لوحدي، ففكرت في اصطحاب أبنائي معي ليتعلموا بر الوالدين عمليا، ففعلت ذلك، فكانوا يرون ماذا أفعل حين الزيارة من البر وحسن المعشر ونحو ذلك مع والداي حفظهم الله، وكنت أتعمد خصالا من البر أعملها ليروها فيعرفوها، فكانت زياراتي دروسا ودورات عملية لهم في مجال بر الوالدين.
التجربة السابعة: يقول صاحبها: ناقشت مع أولادي أن نستحدث جلسة قرآنية خفيفة لا تتجاوز عشر دقائق فقط بواقع ثلاثة أيام في الأسبوع، فكنت أفسر لهم قصار السور بالأسلوب المناسب لهم، حيث إنهم يقرأونها كثيرا ويحفظونها، وهي جلسة قصيرة بقدر عشر دقائق فقط، فهي لا تتجاوز في الأسبوع كله نصف ساعة، فعرفت وعرفوا معاني تلك السور القصار التي كانوا يقرأونها ولا يعرفون المراد منها، لكن بعد تلك الجلسات المباركة عرفوها وتساءلوا عنها، وعبروا عن مكنون أنفسهم كيف لم يعرفوها من قبل، فكان لها أثر كبير في نفسياتهم الطيبة وعلى سلوكياتهم.
التجربة الثامنة: يقول صاحبها: حاولت أن أزرع الثقة في أولادي ففكرت في ذلك كثيرا، فكنت أناقشهم عن مستقبلهم الدراسي والوظيفي الذي يطمحون إليه مستقبلا، فعرفت الميول المبدئية لكل واحد منهم، فوضعت لكل واحد منهم بطاقة تحمل اسمه وكنيته والجامعة التي سيتخرج منها، وأيضا وظيفته التي سيكون عليها بإذن الله تعالى مع عبارة تحفيزية في الأسفل بالخط العريض، ثم غلفتها وأعطيت كل واحد منهم بطاقته، فكانوا يقرأونها كل يوم ويكسبون من خلالها التحفيز والمناقشة، وكنت أدعوهم بالكنية واللقب الوظيفي المحرر في البطاقة، فكانوا يفرحون بهذا ويدفعهم هذا إلى المزيد من تحقيق ذلك الهدف.
التجربة التاسعة: يقول صاحبها: إذا بلغ أحد من أولادي السابعة من عمره حدثته عن الصلاة وأهميتها، ثم اشتريت له هدية، ثم وضعنا له حفلة مصغرة في أسرتنا تحتوي على شيء من المأكولات والمشروبات ونحوهما، وباركنا له أنه بلغ السابعة، وأنه عندها يؤمر بالصلاة، ثم شجعناه عليها وتابعناه، ويصطحبني أيضا إلى المسجد، فكان لذلك أثر كبير عليه وعلى إخوته وأخواته حيال إحياء تلك الشعيرة العظيمة وهي الصلاة.
التجربة العاشرة: يقول صاحبها: اتفقت مع أولادي على جلسة أسبوعية ولمدة نصف ساعة نتدارس فيها كتاب الله تبارك وتعالى، واعتمدنا في ذلك تفسير ابن كثير رحمه الله، وانتهينا منه جميعا في أربع سنوات ولله الحمد والمنة، فعرفنا كثيرا من الآيات التي كنا نقرأها ولا ندرك معناها.
أخي الكريم هذه عشر تجارب من الميدان الأسري تم تطبيقها ووجد أصحابها نتائجها يانعة طرية وغيرها كثير، فاجعل لك في أسرتك شيئا منها أو من غيرها، ففكر بعمق، فالأسرة ركيزة في المجتمع، وأسرتك هي من أهم أولوياتك، فلا تجعلها من النوافل، بل عليك أن تسعى مشكورا على تربيتهم وتنشئتهم التنشئة الصالحة لأنهم امتداد لعملك بإذن الله تعالى، فإذا صلحوا فلك مثل ما يعملون فتأتيك الأجور التي لم تذكر أنك عملتها، لكنها من خلال أعمالهم لأنك دللتهم عليها وشجعتهم وحفزتهم فأبشر بالخير العظيم إذا كنت كذلك.
اللهم وفقنا لهداك واجعل عملنا في رضاك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.