إحياء قيمة العفة والعفاف
يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.
إحياء قيمة العفة والعفاف
الحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد
إن من أهم الأخلاق الحسنة والسلوك الحميد أن تتصف الأسرة بالحصانة والسلامة، وكذلك تتصف بالبعد عما يخدش المروءة والحياء، وإن الطريق الواسع الفسيح الموصل إلى هذه المخرجات بإذن الله تعالى هو إحياء قيمة العفة والعفاف داخل الأسرة، فالأسرة هي جزء من هذا المجتمع، فإذا تعففت الأسر تعفف المجتمع كله، وحديثي هو عن إحياء تلك القيمة، وهي قيمة العفة والعفاف، كيف تكون مخرجاتها؟ وما هو تعريفها؟ ونحو ذلك من خلال الوقفات التالية:
الوقفة الأولى: إن صفة العفة والعفاف مطلب كبير للأسرة، حيث إنها من أهم المداخل للسلامة والأمان، حيث إذا عفت الأسرة في أقوالها وأعمالها اتصفت بأنها من الأسر العفيفة التي ينظر إليها الناس نظرة احترام وتقدير، فلا بذاءة باللسان، ولا تعد بما لا يعني، وكلها ستر وحياء وعفاف اتصفت هذه الأسرة العفيفة بالرزانة والعقل والروية، كل أفرادها يتوارثون ذلك، وحينها تكون مضرب المثل في هذا المجتمع، وهذه الأسرة هي بخلاف الأسرة الأخرى التي تخلفت عنها قيمة العفة والعفاف، فقد ينظر إليها المجتمع نظرة ازدراء، حيث كانت الوجاجة والخصومة صفة لهم، وكان التساهل في الآداب والأخلاق ديدن لهم، فالعفة والعفاف حاجز وسياج بإذن الله تعالى عن كل ما لا يحسن فعله من الأقوال والأفعال وسائر التصرفات.
الوقفة الثانية: إن العفاف هو خلق إيماني رفيع يدعو إلى البعد عن خدش الحياء والمروءة، ويقوي على التمسك بالآداب والخصال الحسنة الفاضلة، وهو أيضا خلق مكتسب، ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم (ومن يستعفف يعفه الله) يزيد مع الدربة والتربية عليه والتواصي فيه، فهو بهذا التعريف شامل لكل خير دعا إليه الإسلام بأن يمتثل ويطبق، وأيضا لكل سوء نهى عنه الإسلام أن يترك ويزال، فإذا عاشت الأسرة على هذا الوصف صارت نقطة بيضاء في جبين هذا المجتمع، وأيضا صارت كذلك مثالا يحتذى، فعلى كل أبوين حريصين على ذلك أن يهتما بإيجاد تلك المواصفات في أولادهم من بنين وبنات، فإذا صلحت تلك الأسرة بمسماها الخاص صلحت الأسرة بمسماها العام، وهكذا يصلح المجتمع كله، فيا معاشر الأبوين الكريمين، انظروا إلى تصرفات أولادكم وأرشدوهم وأحيوا فيهم قيمة العفة والعفاف في جميع جوارحهم، وذلك من خلال الحديث معهم وتوجيههم ودلالتهم على الخير ونهيهم عن الشر، فالأمر بحمد الله تبارك وتعالى سهل ويسير على من يسره الله عليه.
الوقفة الثالثة: إن من أهم مجالات العفة والعفاف هو عفة الجوارح، فتلك الجوارح نعمة عظيمة، وهي شاهدة يوم القيامة للإنسان أو عليه بأفعاله وأقواله بها، فسيمر على الإنسان لحظة كل شيء يتحدث، فستؤدي كل جارحة ما استثمرت به في الدنيا من الخير والشر، ولو لم يكن واعظا على أهمية قيمة العفة والعفاف إلا تلك الشهادة لكانت كافية، كيف وهي بعض الشهود؟ فيا بشرى أهل الخير والطاعة والعفاف، ويا عزاء أهل الشر والمعصية، فسيكون الإنسان آنذاك منتظرا لشفعاء وشهود له، فقد يفاجأ بالشهادة عليه من تلك الجوارح، فيا أخي الكريم أدعوك وأسرتك الكريمة إلى تطهير تلك الجوارح من المعصية، فلا تنظر إلى حرام، ولا تسمع حراما، ولا تأخذ حراما، ولا تخطو إلى الحرام، ولا تأكل حراما، وكن كما وصف الله تعالى المتقين به بقوله (وإذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون).
وليكن استغفارك صادقا والله أعلم بسريرتك فالله عز وجل يغفر الذنب ولو كان عظيما وهو الغفور الغفار العفو اللطيف الحليم، واحذر فعل المعصية بعد ذلك التطهير بالاستغفار، وأكثر من الاستغفار فإنه حاجز بإذن الله تعالى عن مزاولة المعصية وسياج لك عنها.
الوقفة الرابعة: إن المخرجات لقيمة العفة والعفاف مخرجات عظيمة، فمنها الحياء وهو خير كله، ولو استحيى فاعل المعصية ما فعلها، والحياء يكون من الخالق والمخلوق، ومن مخرجاتها أيضا الأجور المتتابعة الحاصلة للشخص، حيث صبر عن المعصية وسلم من آثامها، ومن مخرجاتها أيضا المحبة عند الخالق وفي قلوب الخلق، فإذا أحبه الله عز وجل أحبه الخلق، ومن مخرجاتها أيضا الانشراح والسكينة والطمأنينة، فالجزاء من جنس العمل، وأيضا من مخرجاتها عدم شهادة الجوارح عليه يوم القيامة، فهو أحوج ما يكون للشهود له لا عليه، ومن مخرجاته أيضا أنه إذا لم يعمل المعصية وعف عنها فإنه بذلك أدى شكر الجوارح، إلى غير ذلك من المخرجات الطيبة التي يطول ذكرها.
الوقفة الخامسة: من أهمية العفة، عفة المرأة المسلمة بحيث تحتشم بلباسها وحجابها الساتر، فلا تفتن نفسها ولا غيرها، وإذا تبرجت ففتنت غيرها تحملت مثل إثمه لأنها هي السبب في معصية العاصي، فهي لو كانت كما أُمرت في الشرع لسلمت بنفسها وسلم غيرها، وفي هذا دعوة للأخوات الكريمات على الستر والحجاب والحشمة والعفاف، حيث إن هذا هو الذي أمرها الله تعالى به ورسوله عليه الصلاة والسلام، وعلى الأولياء الكرام ملاحظة ذلك في نسائهم من زوجات وبنات وغيرهن.
الوقفة السادسة: تعفف أخي الكريم عن الأخلاق السيئة، ومنها الجدال العقيم والسخرية بالآخرين والتدخل فيما لا يعني، وأيضا كذلك الغيبة والنميمة ونحو ذلك، فإن العفة عنها تبقي لك حسناتك ولا تزيد في سيئاتك.
الوقفة السابعة: أختم بعدد من التوصيات في العفة، ومنها:
أولا: للحصول على العفة لابد من الصبر والتحمل وبذل الجهد، فأجرك على قدر مشقتك، فاصبر على الطاعة وعن المعصية، أما أن يريد أحدنا العفة وقد أطلق لنفسه هواها فهذا صعب المنال.
الثانية: تعفف مع والديك عن العقوق وعن الجفاف العاطفي وعدم الاندماج النفسي، فهم بحاجتك وأنت بحاجتهم، فهذه الامور مهمة مع كل أحد خصوصا مع الوالدين.
ثالثا: تعفف عن المال الحرام فهو شر كله، وسحت في الدنيا والآخرة ولا بركة فيه ولو كان كثيرا، فكيف يطمئن الإنسان بمال يعلم أنه حرام؟ ولو تغير الاسم دون المسمى، فأكلك وشربك ولباسك لك ولمن تحت يدك، هل تطمئن أن يكون ذلك من حرام؟ لا أظن عاقلا يرضى ذلك.
الرابعة: التعفف عن الشهوة الحرام سواء كانت بالعين أو بالأذن أو الفرج، فهي لذة عابرة عاجلة يعقبها مشقة دائمة، ويعقبها أيضا حرج كبير مع ما يتلوث به قلبه وميزانيته من السيئات، نسأل الله تعالى العافية.
الخامسة: ما تريده من العفاف عند الآخرين، احرص على أن يكون عندك لتكون قدوة وداعية بأعمالك وأقوالك.
السادسة: لا تيأس من العفة والحصانة مهما كثرت المخالفات فإن الله عز وجل قريب مجيب، يغفر الذنوب جميعا، فاتجه إليه والجئ بجنابه وادعه بنفس تائبه، فإذا تقربت إليه شبرا تقرب إليك ذراعا، وإذا تقربت منه ذراعا تقرب إليك باعا، وإذا أتيته تمشي أتاك هرولة كما ورد في الحديث، فالله أسرع بالخير إليك منك.
اللهم إنا نسألك العفة والعفاف في أنفسنا وأولادنا والمسلمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.