المناسبات العائلية آداب وأخلاق
يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.
الحمد لله وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،،
لقد جبل الله تعالى الإنسان بأن جعله مدنيا بطبعه يحب الاجتماع بغيره ويأنس به فتطمئن نفسه ويسليها، وإن من أهم تلك الاجتماعات ما يخص العائلة بمسماها الخاص أو العام، فهو أجر وغنيمة وصلة، ولهذا اللقاء آداب وأخلاق وشعائر يجب أن يُعنى بها المسلم ليكتمل عقد الفرح والأنس والاطمئنان، وليعظم الأجر وتتقارب النفوس، ولعلي أسرد عددا من الآداب والأخلاق لعلها أن تكون واقعا عمليا لنا، ومن تلك الآداب ما يلي:
أولا: إذا حضرت تلك المناسبة فاجعل لك نية متعددة فيها، فهي مجال فسيح في تحصيل الأجور، فاحتسابك في صلة رحمك هي نية طيبة، وكذلك ابتسامتك وكلماتك الطيبة هي صدقات مرصودة لك، حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم (وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، ويقول عليه الصلاة والسلام (والكلمة الطيبة صدقة).
وأيضا إدخال السرور على مجالسيك عمل صالح جليل، وذكرك لله تعالى في مجلسك هذا، عمل فاضل، وهكذا يكون لك عدد من النيات الطيبة في تلك المناسبة.
ثانيا: كل حريصا على حضور تلك المناسبات لأنها جانب كبير من صلة الرحم الواجبة، حيث توعد الله تبارك وتعالى قاطع الرحم بقوله عز وجل (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) فاستشعر هذا الوعيد للقاطع، فإن هذا يدفعك إلى الحرص على صلتهم وبرهم.
ثالثا: أن تتصف بصفة التغافل الإيجابي خلال حضورك، فقد تسمع كلمة نابية أو غير مقصودة أو تصرفا غير سليم، فكن متغافلا ولا تدقق، والتمس لصاحبها عذرا، أما إن دققت على كل شيء فستتعب كثيرا.
رابعا: إزجاء الشكر والدعاء لصاحب الوليمة، حيث إنك بهذا تدخل عليه السرور وتبني بينك وبينه جسورا من المحبة والاطمئنان وهي كلمات طيبة تؤجر عليها بل هي لك صدقة.
خامسا: حاول عند حضورك للمناسبة أنك إذا رأيت منكرا أن تنكره على صاحبه بالأسلوب المناسب اللطيف وضمن الزمان والمكان المناسبين، وذلك مثل إسبال الثياب أو سمعت منه غيبة لفلان أو تنقصا لآخر أو غير ذلك، وهذا كله من التعاون على البر والتقوى، فإذا فعلت ذلك وكان مقرونا بالكلام الطيب والابتسامة فإنه سيقبل منك وربما يعتذر إليك عن هذا الفعل.
سادسا: حاول ألا تخرج من المناسبة إلا ويكون لك أثر إيجابي ولو على أحد الحاضرين، تدله على خير يعمله، أو تحذره مما لا يحسن فعله أو تخدمه بخدمة يحتاجها أو غير ذلك، فإن ذلك الفعل منك أو القول هو بصمة إيجابية لا ينساها لك، بخلاف من يحضر ويذهب وكأنه لم يحضر، فاجعل لك سجية أن يكون لك بصمة في كل مناسبة تحضرها، ولو كان الحاضرون كذلك في مناسباتهم لاستفاد الجميع كثيرا، وتقاربت القلوب وزال وحر الصدور وفسادها.
سابعا: ما يتعلق بالاجتماعات المتكررة الدورية، جميل أن يقتطع منها ولو مدة يسيرة بمقدار خمس أو عشر دقائق يكون فيها طرح ثقافي أو تربوي، ولا يلزم أن يكون مرتبا ترتيبا علميا، بل يمكن أن يكون هذا مع تجاذب أطراف الحديث، فيكون الكلام في تلك المدة في مناقشة ما يفيد الجالسين تربويا أو إيمانيا ونحو ذلك حتى يكونوا خرجوا بشيء جديد علموه، ومن أمثلة ذلك الحديث عن صلوات التطوع مثلا كالضحى والوتر والرواتب ونحوها، أو عن الإحسان إلى الآخرين وفضله، أو عن القراءة وأهميتها، أو عن آفات اللسان، أو عن الذكر، أو عن سلوكيات سلبية للتحذير منها، أو عن قيم إيجابية لتنميتها، ونحو ذلك مما يهم المسلم في دينه أو دنياه.
ثامنا: إذا رأيت أحدهم وأنت منذ زمن لم تره فلا تثرب عليه وتعاتبه بل بارك له مجيئه وحضوره، وكذلك إذا رأيت تغيرا في جسده مثلا من نحافة أو غيرها فلا تتحدث بما لا يناسب، فالناس لهم أسرار لا يرغبون في الحديث عنها مع الآخرين، بل كن بلسما عليه بابتسامة وكلمة طيبة ودعاء وشكر، ولا تكن مقطب الجبين عبوسا، واجعله يشعر بطبيعة الأمر، فهذا شعور طيب تدخله على أخيك المسلم، وإن كنا نقول هذا في المناسبات، فهو أيضا في كل لقاء خاص أو عام يجب أن يكون ذلك.
تاسعا: الهدية مهما صغرت فلها قيمتها ومكانتها، وهي بصمة طيبة، وذلك كالسواك أو السبحة أو الطيب ونحو ذلك، فهي ترسم في وجه صاحبك الارتياح والراحة والاطمئنان والمحبة.
عاشرا: إياك أن تذكر لجليسك في المناسبة أو غيرها مواقف تحزنه، بل تعرف على ما يفرحه واجعله موضوع الحديث بينك وبينه، فأنت بذلك تبني معنويات طيبة في نفسه وتزيل عنه أشياء ربما كانت موضوع تفكير سلبي عنده، فتكون بلسم لدائه وتكون بصمة منك عليه.
هذه عشرة آداب وأخلاق وغيرها كثير عند التأمل، ينبغي علينا مراعاتها في لقاءاتنا العامة والخاصة، وإذا كنا كذلك فإننا جزء من المجتمع فيتطبع المجتمع كله بتلك الآداب والأخلاق في لقاءاتهم، فيا بشرى ذلك المجتمع الذي هذه من صفاته وسماته، فتلك الآداب مع ما فيها من الأجر والثواب، فهي من أوسع الطرق لكسب القلوب وتقاربها وجلب الأنفس إلى الخير وتماسكها، فلنحرص على أن تكون هذه الأداب وأمثالها على أرض الميدان العملي، ولنفعّل ذلك مع أولادنا بالتوصية والتشجيع والتحفيز، فإن أولادك في المناسبة وغيرها يعكسون تربيتك لهم، فما أخذوه من البيت في التربية عملوه مع الناس، فاجعلوا بيوتكم محاضن تربية لأولادكم في شتى المجالات.
وقبل الختام أشير إلى حلقة سابقة في هذا المجال وهي بعنوان (الأسرة والقيم الإيجابية)، فهي مفيدة جدا في هذا المجال، اللهم اجمع شملنا وشمل المسلمين على الهدى والتقى واجعلنا مباركين أينما كنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.