صوتيات٢٤ محرم ١٤٤٣ هـ٠ مشاهدة

الصلاح والإصلاح الأسري

استمع الآن

يستمرّ التشغيل في الشريط السفلي أثناء تصفّحك لبقية الموقع.

الصلاح والإصلاح الأسري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله وسلم على نبيه ومصطفاه، وعلى آله وصحبه ومن والاه،

لقد ورد كثيراً في القرآن والسنة الحث على الصلاح، وهو العمل الشرعي إذا كان خالصاً لوجه الله تبارك وتعالى صواباً على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، كما هي شروط العبادة وهي الإخلاص والمتابعة، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً )، وكثيراً ما يرد في القرآن العظيم (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات). فالصلاح والإصلاح متقاربان لفظاً، لكنهما في المعنى أحدهما أعظم من الآخر.

وحول الصلاح والإصلاح داخل الأسرة وأهميته بل وضرورته فسأتحدث عنه بعشر وقفات سريعة.

الوقفة الأولى:

الفرق بين الصلاح والإصلاح فالصلاح هو صلاح المسلم والمسلمة في نفسيهما، فأعمالهم صالحة، وأقوالهم مستقيمة ونواياهم طيبة، ويحبون الخير وأهله، ويكرهون الشر وأهله، أما الإصلاح فهو كما سبق في تعريف الصلاح ويزيد عليه عمل آخر جليل وهو نشر هذا الصلاح والدعوة إليه، فالمصلحون صدقاتهم جارية بدعوتهم وهداية الناس على أيديهم فالصالح في نفسه عمله لازم له لا يتعداه إلى غيره، بينما المصلح عمله كما أنه لازم له فهو كذلك أيضاً متعد إلى غيره، وذلك بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ودلالة الغير على الخير، فهنيئاً المصلحين بهذا الجزاء العظيم، وهو أن يكون لهم مثل أجور من استجاب لهم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: " أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث" . فلم يكن الصلاح مانعاً لهم من الهلاك، وأما في حق المصلحين فقد قال الله تبارك وتعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون).

فمن خلال تلك الآية وذلك الحديث يظهر الفرق الشاسع الكبير بين الصلاح والإصلاح.

الوقفة الثانية:

إن المحافظة على الصلاح داخل الأسرة واستمراره هو طريق واسع لبلوغ درجة الإصلاح، فمن الممكن أن نستثمر جانب الصلاح الذي تعيشه الأسرة لنجعل منه سلماً للإصلاح، وذلك بالتشجيع والتحفيز وبيان أجر المصلحين وإظهار التجارب في ذلك والدربة عليه ومزاولته، وبهذا نكون فعلنا الصلاح ليكون إصلاحاً.

الوقفة الثالثة:

الأبوان الكريمان هما بعد توفيق الله تبارك وتعالى ركنا الإصلاح في الأسرة، فمن الممكن لهما أو لأحدهما أن يستحدث مشروعاً في الأسرة تحت مسمى يقترحه الجميع ويعملون على تنفيذه ليحقق الوصول إلى الإصلاح، فصلاح وإصلاح عند الآباء والأمهات غاية في الأهمية أن يكون الأولاد كذلك، وإذا كانت تلك الأسرة مصلحة كانت مناراً للعلم والدعوة، فالكل من الأبوين والأبناء والبنات يدعون إلى الله تبارك وتعالى كل في موقعه، وهذا لا شك أنه عمل جبار وعظيم، سيصبح المجتمع صالحاً ومصلحا إذا كانت الأسر كذلك، وما ذلك على الله بعزيز.

فيا أيها الآباء والأمهات اختطوا لكم مشروعاً مع أولادكم حول هذا الموضوع وناقشوه عن كثب وشجعوا وحفزوا، فما عملوا من عمل إلا ويرجى لكم مثله بفضل الله ومنته.

الوقفة الرابعة:

مما يقترحُ في الصلاح والإصلاح داخل الأسرة الأعمال التالية:

أولاً/ وجود حلقة ذكر في البيت كدرس خفيف للأسرة تستقي منه أحكام دينها وأخلاقها وصلاح قلوبهم فهو خير كله، فتحفهم الملائكة وتغشاهم الرحمة وتنزل عليهم السكينة ويذكرهم الله فيمن عنده. فيا سعادتهم بذلك دنياً وأخرى، ويمكن الرجوع إلى حلقة سابقة بعنوان: [الدرس البيتي وأهميته] .

ثانيًا/ مما يقترحُ في الصلاح والإصلاح داخل الأسرة حفظ الأذكار اليومية الدورية التي تمر على المسلم في يومه و ليلته فيحفظونها ويحافظون عليها وذلك بتذكيرهم بها و مراجعتهم لها.

ثالثاً/ مما يقترحُ في الصلاح والإصلاح داخل الأسرة: التوعية بالاستثمار الأمثل لوسائل التواصل وأنها سلاح ذو حدين فهي نهر من الحسنات أو نهر من السيئات ويشترك فيها جميع الجوارح فهي شاهدة لصاحبها أو عليه.

رابعاً/ مما يقترحُ في الصلاح والإصلاح داخل الأسرة وضع كُتيب ولو كان صغيراً يقرأه أفراد الأسرة كلهم ويكون أسبوعياً ففي كل أسبوع كتاب.

خامساً/ مما يقترحُ في الصلاح والإصلاح داخل الأسرة التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر داخلها بالتي هي أحسن ليكون واقعاً تعايشه الأسرة.

سادساً/ مما يقترحُ في الصلاح والإصلاح داخل الأسرة استثمار الجلسة الأسرية الدورية بما يفيد في هذا الجانب ولو نسبياً، فطرح فكرة إصلاحية ونقاشها مفيد ورائع، إلى غير ذلك من برامج تربوية ودعوية ترى الأسرة مناسبتها لها.

الوقفة الخامسة:

إن الأسرة عندما تكون مصلحة زيادة على أنها صالحة سيكون لذلك مخرجات طيبة ومهمة، ومن ذلك:

أولا/ التحصين الشرعي والفكري والخلقي، بحيث أصبحت الأسرة على دراية وعلم فلا تنزلق في مزالق سلبية سواء على مستوى التدين أو الفكر أو الخلق، فهي محصنة بخلاف الأسرة المكشوفة التي تعصف بها الرياح من كل جانب.

ثانياً/ من مخرجات كون الأسرة هي مصلحة التآلف والوجدان داخل الأسرة، فهم على وفاق وتوافق وتعاطف وتعاون لا يجد الخلاف إليهم طريقا، كلمتهم واحدة واحترامهم وتقديرهم متبادل.

ثالثًا/ من مخرجات كون الأسرة مصلحة التأثير الإيجابي على الآخرين بدعوتهم وإرشادهم والغيرة عليهم.

رابعاً/ من مخرجات كون الأسرة مصلحة نجاحهم في حياتهم الزوجية للأبناء والبنات لأنهم تخرجوا من تلك الأسرة التربوية، ويتسلسل ذلك الإصلاح على الأحفاد وإن نزلوا حتى يكون سجية لتلك الأسرة كما هو الواقع في بعض الأسر بحمد الله تعالى، إلى غير ذلك من المخرجات الطيبة التي يطول حصرها.

الوقفة السادسة

التخطيط والتنسيق مهم جداً لتحقيق صفة الإصلاح في الأسرة، وقد لا يتحقق الهدف في يوم وليلة، وحيث إن الهدف عظيم وجليل فهو يحتاج إلى وقت نظري وعملي للأسرة، فعلى الوالدين الكريمين العمل الجاد على تحقيق ذلك، وليكن ذلك مشروعاً لهم في الحياة وأنعم به من مشروع فهو صدقة جارية لهم.

الوقفة السابعة:

عندما نبدأ في الإصلاح ويكون أحد الأفراد في الأسرة أو بعضهم مصاب بآفة سلبية معضلة، فلا يأس ولا قنوط منه، ولا بد من مناقشة الوضع مع الآخرين المؤثرين لانتزاعه من آفاته السلبية.

الوقفة الثامنة:

اللهج بالحمد والشكر لله تعالى والثناء عليه على وجود الصلاح والإصلاح في الأسرة هو من أسباب الديمومة والمزيد. قال الله تعالى (لأن شكرتم لأزيدنكم)، مع شرط المحافظة على المكاسب من الضياع، ولابد من الزاد التربوي والشرعي للأسرة حتى تثبت على تلك الإيجابية العظيمة.

الوقفة التاسعة:

إن القدوة خصوصاً من الوالدين هي ركن ركين وأساس متين في وجود الصلاح والإصلاح في الأسرة، فإذا اقترنت الأقوال والأفعال وتوافقت تولد منها بإذن الله تعالى هدف الصلاح والإصلاح في الأولاد.

الوقفة العاشرة:

معاشر الآباء والأمهات إن وجود الصلاح والإصلاح في ذرياتكم لهو دليل كبير بإذن الله تعالى على حسن رعايتكم بتوفيق الله لكم، فأنتم قد جهزتم إجابتكم ليوم القيامة عندما تُسألون عن الرعية، قال عليه الصلاة والسلام: (كلكم راع وكل مسؤول عن رعيته) متفق عليه.

فحافظوا على ذلك المكسب العظيم، فالقلوب تتقلب، والنفوس تتغير، فاجعلوا سياج النصيحة والتوجيه دائماً على ألسنتكم وأسماعكم.

وفقكم الله تعالى وأسعدكم وأصلح قلوبنا وأعمالنا ونياتنا وذرياتنا إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.